في الحادي عشر من أيلول عام 1961، دوّى صوت جديد في جبال كردستان، صوت حمل معه معنى الكرامة والحرية، حين أعلن القائد الخالد الملا مصطفى البارزاني انطلاق الثورة الكردية الكبرى ضد سياسات التهميش والظلم في العراق. كانت تلك الشرارة بداية ثورة أيلول، التي استمرت حتى عام 1975، لتسطر ملحمة من الصمود والتضحية في ذاكرة شعب بأكمله.
لم تكن الثورة وليدة لحظة غضب عابرة، بل جاءت نتيجة تراكم طويل من الوعود المنكوبة والعهود المكسورة التي تلقاها الكرد بعد تأسيس الدولة العراقية. فبعد أن عاد البارزاني من منفاه الطويل في الاتحاد السوفيتي عام 1958، استقبله شعبه كبطل وكممثل لآمالهم. غير أن الخلافات السياسية وغياب الاعتراف بحقوق الكرد دفعت الأمور نحو المواجهة المسلحة.
معارك وصمود
على امتداد الجبال والسهول، دارت معارك شرسة بين قوات الثورة والجيش العراقي. ورغم الفارق الكبير في العتاد والعدد، فإن عزيمة البيشمركة بقيادة البارزاني كانت هي السلاح الحقيقي. كانوا يقاتلون من أجل الأرض والهوية، بينما كانت الجبال صديقتهم الأمينة، تحميهم وتردد صدى صيحاتهم.
وقد سجلت الثورة إنجازات مهمة؛ فقد تمكنت من فرض القضية الكردية كأمر واقع في السياسة العراقية، وجعلتها حاضرة في المحافل الدولية. كما أجبرت الحكومات المتعاقبة على الاعتراف بالحقوق الكردية في بعض المراحل، مثل اتفاقية 11 آذار 1970 التي منحت حكماً ذاتياً شكلياً.
مشاعر وذاكرة
لكن ما يميز ثورة أيلول ليس فقط نتائجها السياسية، بل الروح التي تركتها في وجدان الشعب. كانت ثورة أيلول مدرسة في التضحية والإيمان بالحق. خلفت آلاف الشهداء الذين رووا بدمائهم دروب الحرية، كما غرست في قلوب الأمهات والآباء والأطفال معنى الفخر بالانتماء.
البارزاني لم يكن مجرد قائد عسكري، بل كان رمزاً للأمل. كان قريباً من المقاتلين، يشاركهم الخبز والبرد والسهر. ومن صورته تلك، وُلدت قناعة بأن القيادة الحقيقية لا تكون إلا بالتواضع والإيمان بالشعب.
الخاتمة
اليوم، حين يستحضر الكرد ذكرى أيلول، فإنهم لا يستذكرون حرباً فقط، بل يستحضرون قصة أمة قاومت من أجل أن تعيش بكرامة. ثورة أيلول بقيادة الملا مصطفى البارزاني ستبقى صفحة ناصعة في التاريخ الكردي، ورمزاً لإصرار شعب لا يرضى بالذل. لقد كان أيلول بداية مسيرة طويلة، وما زال صدى جباله يذكرنا بأن الحرية لا تُمنح، بل تُنتزع.


